جلال الدين السيوطي

95

الأشباه والنظائر في النحو

ذهب وجلس ، وفي الثاني : « ضرب عبد اللّه زيدا » وقال : « انتصب زيد لأنّه مفعول تعدّى إليه فعل الفاعل » « 1 » . وهذا الذي قاله سيبويه سالم عن الاعتراض وليس فيه إطلاق المفعول على المصدر بل على ما يتعدّى إليه فعل الفاعل ؛ وذلك أعمّ من أن يكون حاصلا بفعل الفاعل ، أوليس حاصلا بفعله ولكنّ فعل الفاعل واقع عليه . وتسمية الأول مفعولا حقيقة ، وتسمية الثاني مفعولا اصطلاح ، أو على حذف الجارّ والمجرور وإرادة أنّه مفعول به . ولا يرد على عبارة سيبويه شيء ممّا ذكرناه في تسمية معنى المصدر فعلا حقيقيا ولا في تسمية المصدر مفعولا مطلقا . فسبحان من أسعده في عبارته وحماها عن أن يدخل عليها بإفساد . الثالث : أنّ النحاة اختلفوا في إطلاق المفعول المطلق فقال جمهورهم : إنه يطلق على جميع المصادر . وقال بعضهم : لا يطلق إلا على مصادر الأفعال العامة كعمل وفعل وصنع ؛ وهذا القول كالشاذّ عند النحاة . وقد نبّهنا على أنّ بعض المصادر لا يصحّ أن يقال إنه فعل حقيقي ولا مفعول مطلق ، وهو العلم القديم . ومن هذا يظهر أنّ معنى التعدّي أن يتعلق معنى الفعل بغير الفاعل كقولنا : « علم اللّه كذا » ، فعلمه متعلّق بالمعلوم ، وتسميته تعالى فاعلا في هذا المثال ليس المراد به أنه فاعل العلم ، لأنّ علمه ليس بمفعول ، وإنّما هو على اصطلاح النحاة في أنّ من أسند إليه فعل على وجه مخصوص يسمّى فاعلا . الرابع : أنّ غير اللّه تعالى لا أثر لفعله في الذّوات إجماعا ، أعني : لا يفعل ذاتا ، وهذا متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، وقامت عليه الأدلة العقلية ، ولم يذهب أحد من أهل الملل إلى خلافه ، ولهذا لمّا قال أصحابنا : إنّ أعمال العباد مخلوقة للّه تعالى ، واحتجوا بقوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] ، حاولت المعتزلة الجواب بجعل ( ما ) موصولة ، فيكون المراد الأصنام ، وهي مخلوقة للّه تعالى بالاتفاق . وردّ أصحابنا هذا الجواب بأنّ الآية جاءت للردّ عليهم في عبادتهم إياها ؛ وهم لم يعبدوها من حيث ذواتها ، وإنّما عبدوها من حيث هي معمولة لهم بنحتهم وتصويرهم ؛ كأنه قال : أتعبدون ما تنحتون واللّه خلقكم ونحتكم ، أو : والنحت الذي تنحتونه ، أو : والمنحوت الذي صوّرتموه بنحتكم . فهذه ثلاثة تقادير لأهل السنة : أحدها : أن تكون ما مصدرية .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 68 ) .